محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

134

الآداب الشرعية والمنح المرعية

وكان أبو علي بن مقلة يقول : أيا رب تخلق أقمار ليل * وأغصان بان وكثبان رمل وتبدع في كل طرف بسحر * وفي كل قد وسبق بشكل وتنهى عبادك أن يعشقوا * أيا حاكم العدل ذا حكم عدل وكان أبو طالب المكي يقول : ليس على المخلوق أضر من الخالق قال ابن الجوزي : دخلت على صدقة بن الحسين الحداد وكان فقيها غير أنه كان كثير الاعتراض وكان عليه جرب فقال : هذا ينبغي أن يكون على جمل لا علي ، وكان يتفقده بعض الأكابر بمأكول فيقول : بعث لي هذا على الكبر وقت لا أقدر آكله ، وكان رجل يصحبني قد قارب ثمانين سنة كثير الصلاة والصوم فمرض واشتد به المرض فقال لي : إن كان يريد أن أموت أموت فيميتني ، فأما هذا التعذيب فما له معنى . والله لو أعطاني الفردوس كان مكفورا . ورأيت رخر يتزيا بالعلم إذا ضاق عليه رزقه يقول : إيش هذا التدبير . وعلى هذا كثير من العوام إذا ضاقت أرزاقهم اعترضوا ، وربما قالوا : ما تريد نصلي . وإذا رأوا رجلا صالحا يؤذي قالوا : ما يستحق ، قد حافي القدر ، وكان قد جرى في زماننا تسلط من الظلمة فقال : بعض من يتزيا بالدين هذا حكم بارد . وما فهم ذاك الأحمق أن الله يملي للظالم . وفي الحمقى من يقول : أي فائدة في خلق الحيات والعقارب ؟ وما علم أن ذلك أنموذج لعقوبة المخالف . وبلغني عن بعض من يتزيا بالعلم أنه قال : اشتهيت أن يجعلني وزيرا فأدبر . وهذا أمر قد شاع فلهذا مددت النفس فيه . واعلم أن المعترض قد ارتفع أن يكون شريكا وعلا على الخالق بالتحكم عليه ، وهؤلاء كلهم كفرة لأنهم رأوا حكمة الخالق قاصرة . وإذا كان توقف القلب عن الرضا بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم يخرج عن الإيمان . قال تعالى : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [ سورة النساء : الآية 65 ] . فكيف يصح الإيمان مع الاعتراض على الله تعالى ؟ . وكان في زمن ابن عقيل رجل رأى بهيمة على غاية من السقم فقال : وارحمتي لك ، واقلة حيلتي في إقامة التأويل لمعذبك . فقال له ابن عقيل : إن لم تقدر على حمل هذا الأمر لأجل رقتك الحيوانية ، ومناسبتك الجنسية ، فعندك عقل تعرف به تحكم الصانع وحكمته توجب عليك التأويل ، فإن لم تجد استطرحت لفاطر العقل ، حيث خانك العقل عن معرفة الحكمة في ذلك . واعلم أن رضا العقل بأفعال الخالق سبحانه وتعالى أو في العبادات وأشدها وأصعبها . ثم ذكر كلام ابن عقيل وفيه : وقد نبهنا على العجز عن ملاحظة العواقب فقال تعالى : وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ [ سورة البقرة : الآية 216 ] .